فخر الدين الرازي
142
تفسير الرازي
ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم لأنها أول المنعم علي ، فههنا أولى أن تظهر النفرة فنقول : لا أعبد سوى ربي لأنه أول منعم علي فقل : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الخامس والثلاثون : نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعمهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق أفضل الخلق : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * السادس والثلاثون : مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلاً بها ، * ( لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) * فبتقدير أن كنت متصلاً بها ، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها ، فكيف وما كنت متصلاً بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * السابع والثلاثون : هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل : يا محمد لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار ، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه ، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثامن والثلاثون : أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام : * ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) * فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * التاسع والثلاثون : مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول : لأنه كان قيماً فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول : كنت قيماً ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الأربعون : هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * وقال في موضع آخر : * ( أروني ماذا خلقوا من الأرض ) * فكأنه تعالى يقول : هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ، لأن البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة الوجوه وذلك أيضاً باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهوراً مني ، أو شركة الأبدان وذلك أيضاً باطل ، ون ذلك يستدعي الجنسية ، أو شركة العنان ، وذلك أيضاً باطل ، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيباً من الملك ، فكأن الرب يقول : ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزاً من الذبابة : * ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ) * فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية والسقي والحفظ مني . ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيباً مني ، ما هذا بقول يليق بالعقلاء : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الحادي والأربعون : أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات